مع الإنسان
أخر الأخبار

قصة مراد – الحلقة 1

حياة إنسان

Watercolor Banner Depicting Logical Vs Creative Thinking - USD ...

 

مجموعة قصصية جريئة تتحدث عن معاناة الإنسان العربي الذي يعيش تحولات مجتمعه من مجتمع منغلق متخفي تحت عباءة التدين، حيث الشتيمة في العلن حرام وبذيئة، والرذيلة تقضى في الخفاء وفي السقيفة، إلى مجتمع فاسد يدخل عالم الانفتاح من جميع أبوابه ليكون الشتيمة سمة الرجولة ، والأزعر عنوان القوة، والرذيلة شرف، والزناة سادة القوم، والثرثارون أصحاب مناصب ومقربون من السلطة ولهم صولة وجولة في المجتمعات، ليعاصر التغير الأخلاقي الخطير الذي يعصف بكل تفصيل حياته ويغير أحداث مايدور من حوله ، معركة حياة فريدة من نوعها تتناول الخير والشر، الحقيقة والوهم، وممارسات تجارة التدين والزواج المخفي بين الدين والتسلط، تعصف بصاحب الموقف وتزيده يقينا بأن كل ما قام به من أخطاء كانت ضرورة، وأن المجتمع الممسوخ من حوله ماهو إلا شخوص مهموزة، إمعات لاقيمة لها، تجهل ما تقول وتهاجم كل ما هو على حق، وتنكر الواقع فتغيره للأسوأ وكلهم يقين أنهم يحسنون القرار، من خلال هذه القصة يتداخل الحلال بالحرام فترى الحرام حلال على أصحاب السلطة والثرثارون، والحلال حراما على الجهلة ومسلوبي القرار أو الصامتون وأصحاب الصوت الخافت ومايطلق عليهم “الأوادم”.

شخصيات عديدة من هذه الرواية قد طمست أسماؤها حتى لا نخدش أحدا لكنهم واقع يعيش بيننا، منهم شخصيات إيجابية أثر بالموقف والكلمة ومنهم سلبيون كانوا ذو أثر مدمر في الرواية، بعض المواقف كانت ضرورة روائية للهروب من الأسلوب الممل للحياة اليومية، لكنها مواقف حقيقة لا خيال فيها ومر فيها الشخصية الرئيسية في الرواية بكل تفاصيلها، تتداخل الرواية بين سرد قصصي شيق يحاول الكاتب أن يلتمس تحفيز أفئدة القراء بالواقع الذي قد يعيشه معظمنا في عصرنا هذا، ومن خلالها سيكون هناك تحليل نفسي للموقف وعلاج لبعض المشاكل العمرية للإنسان الذي يعيش ظروفنا الراهنة وربما الظروف التي ستمر علينا في المستقبل القريب، وسيكون هناك مجموعة خطوات تدخل في باب تأطير حدود النفس والمشكلات النفسانية التي قد تصادف الإنسان خلال حياته اليومية وطرح حلول ومجموعة من النصائح وذلك من خلال خطوات في دليل نفسي سيتم سردها لمواجهة المواقف واتخاذ القرار المناسب ، وتوطين النفس على قبول نتيجة القرار، فكثيرة تلك القرارات التي يتخذها الإنسان ويظن أنها كانت سببا في فشله ولكن بعد مرور الأيام يجد أنها كانت الخيار الأمثل، الكثير منا من قد يندم على أفعاله، لكن بعد قراءة هذه الرواية ستجد أنه لم يكن لديك الخيار الكامل بل كنت مسير لمصيرك المحتوم وإنما خيارك ماهو إلا ردات فعل قد تظن أنك قد أنتجتها بذكاءك وقدرتك بينما هي انقياد لروابط المجتمع وتأثير الدين أو عدمه فيها، وانسلال أخلاقيات الموروث إليك فيها، يوميات تجمعت فيها ذخائر نفسية وانطباعات تصورية شكلت شخصية إنسان وطمست معالم شخصية أخرى.

     الوقت كأنه مجرى ماء هادئ عريض ينساب بسلاسة لا يمكن إيقافه حتى لو حاولت جاهدا بكلتا يديك تظن أنه ينقص أو يضعف أو يتأثر، لكن أثار غرفة يدك تؤثر في الماء لترسم تلك الدوائر الموجية سرعان ما يعصف بها التيار المتخفي بهدوءه بينما هو شديد باطش، ظننت أنني أوقفته برهة من الزمن أو ربما أضعفته، أو نسلت بعضه فانتصرت عليه، ولما أنظر إلى يدي أراني قد تأثرت وابتلت يداي به، ولا يزال السؤال الذي طالما يطاردني، متى أملك زمام الأمور وأتحكم بمصيري ووقتي من الحاضر والمستقبل، على الأقل أن أديره وأجعل قوته في صالحي، ربما هذه الحياة بحاجة لابتكار وحيلة ودهاء لتعيشها، يتعلم فيها مراد أن يتقبل الهزيمة لا أن يقع فيها، أن يدرك ضعفه ويواجهه ويجد نقاط القوة ليتكئ عليها، لأنه امتلك عناصر الضعف بجميع صنوفها،  هذا ما سيؤمن به كل فقيرأ مسلوب قرار مثل مراد، كانت عقيدته أن يفعل القرار المناسب في كل مرة وهذا ما سيفسح له المجال لقفزات زمنية في عالمه الواسع ليصل إلى أحلام يؤمن في صميمه أنها غير قابلة للتحقيق، يستسلم لحظات وينكسر لحظات ويستبشر بالأمل لحظات، يشعر أنه يمشي في طريق محتوم طويل لا نهاية له، ويحاول أن يبتدع الظروف لتكون رحلته ميسرة لطيفة بأقل مطبات ممكنة، لكن العثرات تصيبه في كل خطوة، وكأنها تستهدفه، وكأن المراقب لتفاصيل حياته ومفاصل عوالمه يستشعر أنه يحاول الوقوع في ذات المطبات متعمدا لا أن يتجنبها، بقي يتعلق بخيط الأمل ولديه ما يتردد دائما في خلده “أنني أستطيع التغلب على الأمور وسأجد الحل المناسب” وكأنه مخلوق ليجد الحلول لا أن يعيش الحياة بتضاريس أقل وعورة، منفردا وحيدا شعوره خلال معركته الوحيدة، اللحظة تمر لا تخلفها أو تستبدلها أية لحظة أخرى و كل ما يتلوها لا يشبهها ويأتي بالجديد، لا يملك رفاهية الشعور بالحقد أو القدرة والوقت للانتقام ممن أثروا بحياته وتسببوا بالمصاعب والتعقيدات، حالماً أنه سيصبح أفضل ويحقق ذلك المستقبل المأمول، ظانا في خبيئة قلبه أنه موجود لهدف سامِ نبيل شامل، فصول من حياته تتقلب صفحاتها سريعا بعضها تقلبه نسمات عليلة على كسل ومعظمها أوقات عاصفة تقلب الصفحات تكاد تمزقها، ودائما افتقد الوقت لاختبار تجارب الآخرين ، فيوقع تجاربه على خط الزمن، لتبتل أيديه بماء الزمن ليكون أشد تأثرا مما أثر في الزمن، في الطفولة كان يعتقد أن الجميع يفهمنه لكن في الحقيقة لم يكن يفهمه أحد، الحياة بالنسبة له عبارة عن حلقات متداخلة لا تتصل أحدها بالأخرى وما أن تحترق الأولى وتنتهي لتبدأ التالية المعقوفة خلالها بالاشتعال، وكأن مصير الثانية قد تعلق بالأولى ، ولكن لا اتصال بينهما رغم تداخلهما، إن الذين كانوا بالفعل يفضلوه في طفولته قلة قليلة، خاصة من الذين كانوا يتقبلونه بجميع أخطائه ويتظاهرون بفهمه واستيعابه حتى ولو لم يكونوا حقيقة يعون ما يدور بخاطره، وقد وعد نفسه أن يتمسك بهم لأنهم هم الأناس الحقيقيون الذين ترغب بالفعل الحفاظ عليهم حولك، فهم كنزك النفسي الثمين وعمقك الاجتماعي الحقيقي.

     لم يتخيل أن الجمال في قرية أكار كان لابد أن تبحث عنه عميقا لتجده ويحتاج مجهودا فريدا حتى تتكشفه، ربما لأن هالات الحزن العميق في وجوه الناس أصطدم بها أينما وجه وجهه، هل هو الفقر أم القهر؟ أم كلاهما ؟ الذباب في كل مكان ، رائحته غريبة في بيت جدته، يطير كأنه كان يقرأ الأفكار، ويرسم ببغبار الجو لوحات غريبة فيها شيفرات وألغاز تبحث عمن يحلها، ويمر خلال الشمس يكشف نفسه عاريا، ليلاحظ تفاصيله الغريبة الفضائية، وأجنحته المتلاطمة التي تقذف مراد في حيرة، كيف يطير هذا المخلوق الضعيف؟، رغم صغر حجمه وخفة وزنه، أسحر هذا أم خلق عظيم؟ وتختلط رائحة المياه الآسنة في أكار القديمة مع رائحة الزنبق العتيق ، يقولون عمرها ألفي عام ربما أكثر لا أحد يعرف ، لكن حجارتها قديمة قد الأزل ، مسكونة بالأرواح ، وترابها أحمر قاني، هل من دماء القتلى أو لكثرة المياه الأسنة أو لربما كثرة ذنوب الناس؟ ، حيث اغتسلوا فيها فجلعوا فيها رائحة الذنوب القبيحة تلك، يتمشى مراد بين حاراتها العتيقة ، بين تلك الدخلات بيوتات غريبة تميل جدرانها تكاد أن تنقض، مستندة على أعمدة الخشب المتراصة تحملها متألمة منحنية من كبر عمرها، يمشي تحتها مراد وكله خشية أن يقع شيء منها عليه، وتفوح منها ذات رائحة الزنبق ممزوج بروائح الماء الآسن وعفن الأيام أو عبقه لا يكاد يميز المتأمل، وعلى كل جدار ، رجل قبيح ذو شعر طويل ينظر إليه مراد بكراهية مقيتة، صور نفسه كالموناليزا المشهورة، حتى تشعر أنه يراقبك من كل زاوية ، بطريقة غريبة مخيفة ، لم يكن مراد يخاف منه بقدر ما كان يكرهه إنه حاكم القرية “باغض باشا”، يشعر أنه يتطفل على حياته و مشاعره، يدير ميازيب الحقد في قلبه عليه، وشاويش أحمق في كل مكان، ذو شارب عريض ضخم و بنطال هابط ، ورائحة الدخان الرخيص تفوح منه لبضعة عشرات من الأمتار، حلاق ثم سمان ثم مصلح غسالات فبائع خضار ، وبائع أجبان اعتادت الجدة أن تشتري منه، أبواب قصيرة وطويلة مختلطة نصفها عتيق وآخر جديد، تمر في أكار القديمة فتشعر أنهم كلهم فقراء منكوبون.

يطرق مراد الساقط المعلق على باب بيت جدته، وقد اعتاد تسميته باسم بيت جدتي لأنها كانت المتسلطة والتي تتولى دائما إدارة الأمور من طلاق وزواج إلى إدارة لقمة العيش، حتى الصدقات لمن تعطيها وممن تستجديها، ومن وراء الباب يركض خال مراد هرعا يسرع في فتح الباب قبل أن يوقظ الجد ضجيج الموقف الذي إن غضب اهتز له عرش الرحمن، الجد محميت باير آغا كان شخصية مشهورة بصلاحها في المجتمع الآكاري ،و لأن الجد ولي صالح وصاحب طريقة نقشبندية، رغم أنه في صغره كانت له غرامياته وتجاربه مع أولاد الجيران وبناتها على حد سواء قصص تتناقلها نسوان الحارة وكأنها أسرار عظيمة وأساطير دفينة، رغم قصص العشق والغرام التي دار ورقص على كؤوسها، إلا أن التصوف كان يغفر له كل ذنوبه، كانوا يتداولون مقولة ” شيخ حبحوب ذنبه محبوب” كانوا كثيرا ما يتداولونها للدلالة على أن المعصية لا قيمة لها في حضرة الحب الإلهي، معصية وكبائر ذنوب، ثم توبة بعد كل معصية تغفر ما قبلها، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، وكثر مجالس الذكر وكثيرا من شطحات الصوفية قد تكسر حدود العقل، إلا أنه يحرك العطف الإلهي ويغفر الذنوب جميعا، كان للكبير سطوة وهيبة وذنوبه مقبولة ولا يتكلم عنها أحد، ذنوب الصغار قليلوا الاستغفار لا تغتفر، كان جد مراد يعتني بكل نبتة على شرفته، يقصقص أغصانها الضعيفة ليسمح للقوية بالنمو أسرع وأنضر، أراقبه من بعيد، مع إطلالة الشمس التي ليس لها ممثيل على أرض أكار، زاوية الشمس تلك لن تجدها إلا هناك في تلك اللحظة وتلك الصورة، تأتيك مرة واحدة ثم تذهب دون عودة تمر سريعا، لكن مراد كان لديه القدرة على استعادتها وأبطؤها وربطها برائحة أو لون، وحفظها بكل عبقها وتفصيلاتها المملة، تلك الذقن البيضاء وكأنها حصانة يحصل عليها الكبار في السن، تعفيهم من الحساب وترزقهم المهابة، عيبهم يصبح كمالا، وخطأهم يصبح صوابا، لا ينسى مراد الموسيقى الإخبارية التي كانت تسمع من كل منزل وهو يتمشى في شوارع أكار، لتترك الأثر وتصوغ التفكير،،، يتبع …

 

 

 

خطوة على الدليل النفسي 1

التفكير الشمولي والنظر للمواقف من خارج الواقع والتفكير من خارج الصندوق، يجعلنا نجد الحل بموضوعية أكبر ، ويخفف ألم الموقف رغم أنه يزيل شوق وبريق الفرحة منه أيضا، لكن الجميع يفضل ألما أقل مع فرحة أقل بريقا خير من ألم كبير مع فرحة عارمة، بعض علماء النفس يسمونها فصل النفس عن الواقع لتدارك انغماس الحواس في تفاعل سلبي مع المواقف المؤلمة.

 

الحلقة التالية من هنا »

زر الذهاب إلى الأعلى